البداية ׀ التعريف بالموقع ׀ أرسل مقالاً ׀ الأرشيف ׀ البحث ׀ أخبر صديقك ׀ راسلنا

خدمات لزوار الموقع
 
 التعريف بالموقع
 هيئة التحرير
 أرسل مقالاً
 الأرشيف
 البحث
 منتدى الشهاب
 أخبر صديقك
 راسلنا
محاور إضافية
 
 مجالس التذكير
 الشهاب الثقافي
 في ظلال السنة
 دراسات شرعية
 دراسات
 ترجمات ومراجعات
 عبر التاريخ
 مكتبة الشهاب         الإلكترونية
 صوتيات ومرئيات
 ما العمل بعد العراق؟
 رمضان كريم
 في آ’فاق المراجعات
 
 
 النهضة الحضارية والفرص التاريخية المهدورة
قضية للنقاش

بقلم الطـيب برغــوث

يروى عن الحسن البصري رضي الله عنه، أنه كان يقول: ( ما من يوم ينشق فجره إلا وهو ينادى يا بن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ).

وهو قول فيه عبرة وسنة عظيمة، تشير إلى أهمية اغتنام الفرص التي تمر بالإنسان، ويتوقف على موقفه العملي منها، مصير الأفراد والمجتمعات والأمم، في ضوء منطق " المدافعة والتجديد " الذي يحكم حركة الوجود البشري في الأرض، ولا يتيح أية فرصة للغفلة أو التراخي عن استثمار ما يتاح للأفراد والمجتمعات والأمم من فرص . فحركة المدافعة والتجديد المهيمنة على الوجود البشري، لا تسمح بأي فراغ في حركة الحياة، بل تفعل فعلها الحتمي في مداولة الصيرورات الحضارية بين الأمم بالقسطاس السنني المستقيم، من خلال الدفع بمجتمعات وأمم وحضارات، باتجاه السير قدما نحو مراحل المواكبة أو المنافسة أو الريادة الحضارية، وتدفع بأخرى نحو التقهقر والضعف والتخلف والتبعية والاستضعاف الحضاري، على ضوء طبيعة وحجم ونوعية التجديد الذي تحدثه في علاقتها بمنظومات سنن الله في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد .

وفي هذا السياق أود أن أسجل بعض الملاحظات والخواطر على موقف النخبة الفكرية والسياسية للمجتمع الجزائري، من الفرصة التاريخية النادرة التي منحتها له الثورة التحريرية الكبرى، وكيف تصرفت هذه النخبة في هذه الفرصة الثمينة ؟ وما محصلة هذا الموقف وهذا التصرف ؟

في الأول من نوفمبر 2009 تكون الثورة الجزائرية الكبرى ( 1954 ) قد أكملت عامها الخامس والخمسين، ويكون المجتمع الجزائري قد سلخ من عمر استقلاله الوطني ( 1962 ) سبعة وأربعين عاما . وهي مدد تاريخية ليست قصيرة في عمر المجتمعات التواقة إلى النهضة والاستقلالية الحضارية، التي تقيها من محن وعذابات المراحل القاسية، التي عاشتها تحت نير العبودية الاستكبارية، وتسببت في تدمير عميق وشامل لكثير من مقومات وجودها الثقافي والاجتماعي والحضاري، ودفعت بها بعيدا في دياجير ومستنقعات التخلف والتبعية والغثائية الحضارية المهينة، ووضعت بينها وبين شروط نهضتها الحضارية مسافات زمانية واجتماعية كبرى، يحتاج تجاوزها إلى وثبات فكرية وروحية واجتماعية استثنائية، تستثمر فيها كل طاقاتها الذاتية، وخبراتها التاريخية، والفرص المتاحة لها، بأقصى فاعلية إنجازية ممكنة.

وفي نفس الشهر يكون قد مضى على غربتي القسرية 14 عاما، فقدت فيها زوجتي وهي في طريق الهجرة إلى ديار الغربة، فلم ترن ولم أرها أو أشيعها إلى مثواها الأخير، وهو ما ضاعف ألمي الذي أحتسبه عند الله تعالى وأدعوه سبحانه أن يشملنا بوعده الحق الذي جاء فيه: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء : 100] .

وكمثقف جزائري مغترب، عاصر وعاش ويلات وغمم الليل " الاستعماري " الجهنمي البهيم، وعاصر وعاش ميلاد وتطور بناء الدولة الوطنية، وعاصر وعاش المحنة الوطنية الكبرى، وعاصر وعاش محنة الغربة، أود أن أسجل بعض خواطري بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين على اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية الكبرى، التي وضعت حدا للوجود الاستعماري، وأنقذت الشمال الإفريقي من مصير أندلس ثانية، ثم ما لبثت أن انحسرت وتقلص وهجها الثوري حتى كادت أن تغدو نسيا منسيا في ذاكرة واهتمامات الأجيال اللاحقة بل وحتى في ذاكرة واهتمامات الأجيال السابقة، وكأن قانون النسخ قد طالها وفعل فعله فيها !

الثورة الجزائرية في سياق الأحداث التاريخية الكبرى: ودون أية نزعة ذاتية نحو المبالغة، فإن الثورة الجزائرية الكبرى ( 1954 – 1962 ) تسجل أو تصنف ضمن الأحداث التاريخية الكبرى في القرن العشرين على المستوى العالمي، أما في نطاق الأمة الإسلامية فإنها تسجل ضمن الأحداث التاريخية الكبرى للقرنين الأخيرين على الأقل، لأنها الثورة التي وضعت حدا لما سمي بمشروع أو حركة الاسترداد التي انطلقت في أوروبا وحققت نجاحات كبيرة باسترداد الأندلس، واندفعت قدما نحو الشمال الإفريقي الذي سقط كله في يد المد الاستعماري الحديث، وتبعته القارة الإفريقية كلها .

وقد كان مقررا أن تُحكم السيطرة نهائيا على الشمال الإفريقي كله إلى الأبد، ومحو أي أثر للهوية الثقافية والحضارية الإسلامية للمنطقة برمتها، وذهب المشروع الاستعماري بعيدا في إنجاز هذه الإستراتيجية الحضارية، واستعمل في ذلك كل ما أتيح له من خبرة وقوة وكفاءة غير مسبوقة في التاريخ، إلى درجة أنه كاد يحقق مخطط الإبادة البشرية للعنصر البشري الجزائري، ويكرر تجربة الهنود الحمر في أمريكا، كما يدل على ذلك الثبات غير الطبيعي في عدد سكان الجزائر الذين لم يزد عددهم في مائة واثنين وثلاثين عاما، عن ثمانية ملايين، وهو تقريبا العدد الذي كان موجودا قبل الاحتلال ! بالرغم من أن نسبة النمو الديمغرافي عالية جدا في الجزائر . وأذكر هنا على سبيل المثال أن بعض الدراسات التاريخية تشير إلى هلاك ما يقرب من نصف مليون جزائري بين سنتي 1867 و 1868 بسب المجاعات والأمراض والحروب !

وعلى مستوى الإبادة المعنوية ومحو الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع الجزائري، يمكن التذكير بأن نسبة الأمية قد بلغت أكثر من 97% ، في الوقت الذي تعترف فيه الدراسات الفرنسية نفسها، بأن نسبة التعليم في الجزائر كانت عالية جدا قبل الاحتلال، مقارنة بالأمية المتفشية في المجتمع الفرنسي . وهو ما حدا بالإمام البشير الإبراهيمي إلى القول بأنه لو تأخر ظهور الحركة العلمية في الجزائر عشرين سنة، لما وجدنا فيها من يقرأ أو يفهم كلامنا !

فالمشروع الاستعماري انتهج إستراتيجية خطيرة قائمة في جزء هام منها على الإبادة البشرية من ناحية، ومحو الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع الجزائري من ناحية أخرى، وكان يرى في محو الأمية خطرا عظيما على وجوده لا يمكن التهاون في أمره، كما يذكر ذلك مالك بن نبي في مذكراته، حينما أشار إلى نظرة وموقف المستوطنين إلى من يعرف العد من رقم واحد إلى رقم عشرة من الجزائريين، وكيف يعتبرونه إنسانا خطيرا !

عندما نستحضر بعض هذه المعطيات والحقائق التاريخية، ندرك فعلا مدى أهمية ومصداقية القول بأن الثورة الجزائرية تدخل ضمن سياق الأحداث التاريخية الكبرى في العالم عامة، والعالم الإسلامي خاصة، إذ لم تظهر في العالم الإسلامي ثورة بهذا الحجم وهذه التضحيات والنتائج في القرنين الأخيرين، بل هناك من يرى بأنها من أهم الأحداث التاريخية الكبرى بعد الانجاز التاريخي الكبير الذي حققه صلاح الدين باسترداد القدس من الصليبيين. المكاسب الإستراتيجية للثورة في سياق شروط النهضة الحضارية:

ولعل الذي يهمنا أكثر في هذه الخواطر، على ضوء العنوان الرئيس للمقالة، هو موقع مكاسب الثورة الجزائرية من إستراتيجية النهضة الحضارية للمجتمع والأمة، التي هي القضية المركزية للأمة منذ قرون عديدة، أو منذ ما بعد عصر الموحدين كما يقول مالك بن نبي ؟

وبدون مبالغة نرجسية كذلك، أقول بأن الثورة الجزائرية الكبرى، كان من الممكن جدا أن تشكل انطلاقة حقيقية لمرحلة الإقلاع الحضاري في النهضة الحضارية الكلية للمجتمع والأمة، لو أدركت النخبة الثقافية والسياسية ذلك، واستثمرت مكاسب الثورة بشكل فعال، ووضعتها في سياق إستراتيجية النهضة وشروطها فعلا .

فلو حاولنا أن نتأمل مكاسب الثورة على ضوء الشروط أو السنن الأساسية للنهضة، لوجدنا بأن الثورة وفرت شروطا أساسية جدا لإنجاز مرحلة الإقلاع في إستراتيجية النهضة، وفي مقدمتها الشرط النفسي والروحي، ثم الشرطي المادي الإمكاني التسخيري، ثم شرط الخبرة والكفاءة الكامنة القابلة للتطوير السريع.

وسأركز هنا على الشرط النفسي الروحي السلوكي الأخلاقي، لعدم الإطالة من ناحية، ولأن هذا الشرط هو أعظم وأهم شروط النهضة على الإطلاق من ناحية أخرى. فعلى هذا المستوى يلحظ الدارس للثورة الجزائرية الكبرى، بأنها حققت نجاحا بالغ الأهمية، يتمثل في الاستعداد النفسي والروحي والسلوكي والأخلاقي العالي الذي أوجدته الثورة في نفوس الناس، الذين أصبحوا مستعدين للمضي قدما في التضحية غير المحدودة من أجل بناء مجتمع جديد، تحكمه قيم الإسلام ومبادؤه في المساواة والحرية والعدالة والأخوة والتكافل والكفاءة والعزة .

لقد استطاعت ملحمة الثورة، أن تحدث تغييرات عميقة في الذهنيات والنفوس والسلوكات؛ على طريق الصدق، والإخلاص، والأمانة، والخوف من الله، والإيثار، والانضباط، والتحمل، وأداء الواجبات، واحتساب الأجر عند الله تعالى، واستنفار الطاقات الكامنة في النفوس والمجتمع، ووضعها في حالة جاهزية عالية للاستثمار في أية لحظة.. وهي كلها عوامل قوة أساسية حقيقية فعلية يمكن استثمارها في أي وقت لإنجاز أهداف بناء الإنسان والمجتمع والدولة، بما يحقق الاستقلالية والكفاية والفاعلية والأصالة الثقافية والحضارية في مسيرة المجتمع .

وأذكر هنا ثلاثة نماذج تطبيقية عن التحولات والاستعدادات النفسية والروحية والسلوكية والأخلاقية الهائلة، التي أوجدتها الثورة في نفوس الناس، وشكلت شرطا جوهريا من شروط النهضة، وهما:

النموذج التطبيقي الأول: وآخذه من تجربة شخصية عشتها وأنا ابن عشر سنوات – تعادل عشرين سنة أو أكثر من الأعمار العادية، لأن الأحداث الجسام تنضج الأجسام والعقول والنفوس والخبرات - وعلى مشارف الاستقلال، حيث اشتدت وطأة القهر الاستعماري والفقر والحاجة علينا، وأحس الناس بأن القلوب قد بلغت الحناجر. وكان والدي حفظه الله يجمع أموالا معتبرة كل شهر ليدفعها للثورة أو النظام كما كنا نقول زمن الثورة، وصادف أن جمع كمية كبيرة من الاشتراكات والتبرعات والزكوات النقدية، وفوجئنا صبيحة اليوم بقوات الحلف الأطلسي الجهنمية البرية والجوية تطوقنا من كل جانب، وكان يوما عسيرا على الناس، وكانت تلك الأموال الكبيرة عندنا في البيت، وكان من المحقق أن يأخذها مرتزقة الأطلسي، وأن يحرق ديارنا، ويقتل أو يعتقل كبارنا من أجلها، فدفنا جزءا منها في الوديان والمزابل القريبة، وخبأنا جزءا آخر تحت ثيابنا، وكنا خمسة أشقاء، بحيث كنا لا نستطيع الحركة الحمولة الورقية الضخمة التي كانت مخبأة تحت كل ملابسنا .

وما يهمنا في هذا المثال الحي، هو أن استنقاذ هذه الأموال والمحافظة عليها، كانت شغلنا الشاغل جميعا كأسرة، رغم ما كان في ذلك من خطر على حياتنا ! وهذا الموقف النفسي والأخلاقي مكننا من استنقاذ هذه الأموال الضخمة من المصادرة، وتسليمها للنظام أو الثورة كاملة غير منقوصة. ونفس الحرص كان عند الوالد الذي كان أول سؤال طرحه علينا بمجرد عودته إلى البيت مساء هو: أين أموال النظام ؟ هل حدث لها شيء ؟ ولم يهدأ له بال حتى عدها ووجدها كاملة، فحمد الله ثم أخذ بعد ذلك يسأل عن بقية المصائب التي لحقت بنا وبالناس، ثم أخذها وسلمها كاملة، رغم ما كنا نعانيه من احتياج وفاقة لا يعلمها إلا الله، ورغم أنه كان بإمكانه أن يأخذ منها شيئا ليسد به بعض حاجتنا، بل وكنا نحن أو والدتنا بإمكاننا أن نأخذ منها شيئا، أو نأخذها كلها، ونقول بأنها أُخذت منا . ومع ذلك لم يحدث شيء من ذلك، بل لم يخطر ببالنا شيء من ذلك التفكير رغم كثرة الدواعي إليه .

إن هذه الأمانة وهذا الصدق والإخلاص والإيثار والخوف من الله، الذي كان الناس يتعاملون به مع الشأن العام، هو من نتائج التحول العميق الذي أحدثته الثورة في الأفكار والنفوس والسلوكات والأخلاق في غالبية المجتمع الجزائري، وهو ما كان يشكل شرطا نفسيا ثقيل الوزن من المنظور السنني لشروط النهضة الحضارية للمجتمع، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في حديثه عن القانون الكلي لفلسفة التغيير والإصلاح والتجديد: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد : 11] .

فالتغييرات الحضارية الضخمة في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم، تتأسس شروطها الفعلية في العقول والنفوس ابتداء، ثم تأخذ طريقها نحو التأثير العميق في السلوك وفي العلاقات الاجتماعية، ثم تتحول تدريجيا إلى حركة بناء حضاري شامل ومتكامل ومطرد، يمنح المجتمع والأمة المزيد من قدرات الأصالة والفاعلية والمناعة الذاتية المتجددة .

النموذج التطبيقي الثاني: وآخذه من قصة مجاهد جمعتنا به رفقة سفر من رأس العيون إلى مدينة باتنة في بداية الثمانينات من القرن الماضي، ظللنا طيلة الطريق نستمتع بحكاياته المثيرة عن الثورة، وكأن على رؤوسنا الطير، ولكنه صمت فجأة، وشرد بعيدا ببصره، فسأله السائق: لم سكتت يا عمي.. فقد نقلتنا إلى الأجواء الروحية العميقة للثورة، وذكرتنا بسنوات الأخوة العميقة، والتضامن الاجتماعي الحقيقي الذي كنا نعيش فيه ؟ فأخذ الرجل نفسا عميقا، وقال: هل رأيتم ذلك العمود الكهربائي العملاق المنتصب هناك في سفح الجبل ؟ لقد تمكنت مع عدد قليل من المجاهدين من إسقاطه زمن الثورة بوسائل بسيطة، في أقل من ساعة أو ساعتين، وأنا أتساءل اليوم مندهشا: كيف تمكنا من فعل ذلك ؟! وأنا أحس اليوم وأنا أنظر إليه، أن جرافة عملاقة لا تستطيع تحطيمه بسهولة !

إن التأمل في مثل هذه النماذج الكثيرة جدا، تبين لنا كيف ارتقت الثورة بشحذ الطاقات الكامنة في النفوس وفي المجتمع، إلى مستويات رفيعة من الجاهزية النفسية والروحية والسلوكية التي بإمكانها تحقيق إنجازات كبيرة جدا على صعيد التغيير الثقافي، والإصلاح الاجتماعي، والتجديد الحضاري، لو أدركت النخبة الفكرية، والقيادة السياسية قيمة ذلك، وعرفت كيف تستثمره بشكل فعال، وكيف تحميه وتحافظ على منجزاته من الهدر والتبديد .

النموذج التطبيقي الثالث: ونأخذه من الاستجابة غير العادية للنساء الجزائريات اللائي لبَّيْن نداء التبرع بحليهن الذهبي غداة الاستقلال مباشرة، للمساهمة في إعادة بناء البلد والنهوض به سريعا، بالرغم من حاجة الناس الشديدة إلى كل دينار لحفظ وجودهم، بعد ما لحق بالأجسام والعقول والنفوس والأسر والممتلكات.. من دمار لا يوصف . وقد جمعت الدولة الجزائرية الفتية قناطير من الذهب والفضة التي تبرع بها النساء الجزائريات بكل طواعية بل وفرح واعتزاز وشعور عميق بأنهن يساهمن في إعادة بناء بلدهن، وتمكينه من الوقوف على قدميه مجددا .

إن هذه النماذج التطبيقية الثلاثة المتنوعة، تبين لنا المدى البعيد الذي ذهبت إليه الثورة الجزائرية في تحقيق الشرط النفسي والروحية والسلوكي والأخلاقي لمشروع النهضة الحضارية، الذي كانت الأمة الإسلامية كلها منشغلة به، ومنجذبة إليه منذ أمد بعيد، تعود جذوره إلى الحركة الوهابية في المنطقة العربية، والحركة الدهلاوية في الشرق الآسيوي، وما تلاهما من جهود عبر حركة جمال الدين الأفغان ومحمد عبده ورشيد رضا وسعيد النورسي وابن باديس وحسن البنا وغيرها من المبادرات التي الفردية والجماعية، الشعبية والرسمية التي تتالت عبر العالم الإسلامي كله .

مساءلة النخبة السياسية والفكرية للمجتمع الجزائري: والسؤال الكبير والمحير بل والمفجع هو: ماذا عملت النخبة الفكرية والسياسية بهذا المنجز الضخم، وهذا الشرط الأساسي والجوهري من شروط النهضة الحضارية ؟ وبالنظر إلى النتائج الزهيدة التي لا تتناسب على الإطلاق مع مكانة وعظمة هذا المنجز وهذا الشرط، فإن السؤال الكبير والمحير التالي هو: لماذا لم يستفد المجتمع الجزائري من هذا المنجز الضخم، وهذا الشرط الجوهري في تحقيق مرحلة الإقلاع، على الأقل، من إستراتيجية النهضة الحضاريـة الشاملة التي كانت الأمة كلهـا منشغلة بها ومستعدة لها ؟ من المسئول عن هذه الفشل وهذا الإهدار لهذه الفرصة التاريخية التي لا تقدر بثمن ؟ وهل طرحت القيادة السياسية والنخبة الفكرية الجزائرية هذه الأسئلة الكبرى بصورة رسمية وجدية، ودرستها بشكل علمي منهجي وأجابت عليها فعلا ؟ وهل استفادت من تلك الإجابة إن وجدت فعلا ؟ وإن كان واقع الحال يدل على أن هذه الأسئلة لم تطرح بصورة رسمية وجدية، وبالتالي لم تدرس بشكل علمي منهجي مؤسسي جاد ومستقل حتى الآن، وما يوجد من إجابات في هذا المجال، هو مجرد محاولات فردية هنا وهناك، أو خطابات بوليتيكية ظرفية، كثيرا ما يتحكم فيها منطق الأيديولوجيا الدوغماتية الخشبوتية البئيسة .

إنها لفجيعة تاريخية كبرى، أن لا تطرح مثل هذه الأسئلة المفصلية بعد خمسة وخمسين عاما من الثورة، وأن لا تدرس بشكل علمي منهجي مؤسسي جاد ومستقل، وأن لا تعرف نتائج هذه الدراسات طريقها العملي إلى الاستراتيجيات الثقافية والاجتماعية والسياسية للدولة الوطنية، وأن لا توضع الحقائق كاملة أمام المجتمع والأمة، من أجل تعزيز الثقة وتعميق الوعي الوقائي لدى أجيال المجتمع .

لقد آن الأوان أن تطرح هذه الأسئلة على النخبة السياسية والفكرية للمجتمع والدولة، وأن تُطالَب بالإجابة العلمية المنهجية الجادة المسئولة عنها . نحن في حاجة إلى أن نعرف ماذا فعلت هذه النخبة في هذا المنجز التاريخي الضخم، وفي هذا الشرط النفسي والروحي والأخلاقي العظيم من شروط النهضة الحضارية للمجتمع والأمة ؟ لماذا تم استنزاف وهدر هذا الرصيد النفسي والروحي والأخلاقي العظيم بسرعة مثيرة للدهشة، بالرغم من الإنجازات الجزئية التي تحققت على صعيد التعليم وتأسيس بعض البنية التحتية للمجتمع، التي سرعان ما تآكلت واهترأت وتبخرت، وعاد المجتمع الجزائري إلى دوائر الخطر الذي عبرت عنه، بكل بشاعة، محنته ومأساته الكبرى التي عاشها في العقدين الأخيرين ؟

وتفويت فرصة الاستفادة من منجزات الثورة التحريرية الكبرى، على المجتمع الجزائري، ليست هي الفرصة التاريخية الوحيدة التي ضاعت منه، بل هناك فرصة تاريخية أخرى لا تقل أهمية وقيمة عن هذه الفرصة، ضُيُِّعت عليه، بل وتحولت إلى مأساة وطنية كبرى، سنتعرض لها في مناسبة قادمة بحول الله، في سياق المشاركة في طرح الأسئلة الكبرى، ومحاولة المساهمة في استخلاص دروس المسيرة الوطنية الكبرى، وتبصير الأجيال القادمة بعبرها وسننها، حتى لا تخطئ في حق هذا المجتمع مرة أخرى، وحتى تنطلق به في طريق الإقلاع الحضاري الصحيح بحول الله وعونه .


صفحة للطباعة أرسل هذا المقال لصديق
 
الحد
  
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشهاب للإعلام
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
لأفضل استعراض، الرجاء ضبط دقة الشاشة على: 1024 × 768 نقطة




Powered by the AutoTheme HTML Theme System